
15 / 3 / 2016 KSA – Riyadh – iPhone 6 .

نحيا في النفق المظلم ، و مازلنا نحاول ان نبحث عن مخرج ، عن بقعة ضوء تشق العتمة ، و تحملنا الى بعد آخر ، نتخيله و نحلم به و لم نراه .
في الضيق نردد ستفرج ، و الأمل خبزنا اليومي و ان تعفن ، نغلي قهوتنا كل صباح و ان انسكب جزء منهاخارج الفنجان تمتمنا فآل خير أنشالله .
نحاول تزيين تلك البشاعة المتعبة ، و نحاول تقبل ما لا نستسيغ وجوده ، و ندعي و نحن نعلم بانه اضعف الإيمان .
نتجرد من الفعل و نكتفي بالمراقبة ، دونما اعتراض و دون أدنى تحرك حقيقي ، نروي ردات فعلنا ان حدث لنا هذا الامر او ذاك و دونما ان نبدي ردة فعل واحده او فعل حقيقي نفخر به و ينعكس على نفوسنا المتعبة .
في غرف خافتة الضوء نفرش جراحنا و نحاول فهمها و تذكر متى بدأ النزف و كيف ، فقد بتنا بغتة نشعر بها و احيانا بعد تجلط الدم و جفافه دون انغلاق للجرح او التئام حقيقي ، و في نفس الغرف نحاول الهروب و التحرر بشكل هش لا يليق بِنَا و لا بطبيعة الزمان الذي نعيش به و القادر على دهس كل شئ بتلهف غريب و عنف غير مبرر، نتجنب اليقظة و الوعي و هي راس المال في عالم انتابه جنون جارف و عدم اتزان مستديم .
لذا حين تسكب القهوة لا نندهش ، فالمدهش ان مر كل شي بسلام ، و هدوء ، و أمان ، دونما اضطراب داخلي او تأثير خارجي او تذكر لبعض ما حدث وصار و كان .
هنا رحلة الى عالم آخر ، بها العاشق غارق في حبه ، يعبر عن خلجات نفسه ، دون أدنى خجل و بعيداً عن أي مساس بكبرياءه ، فهو هنا محب ، راغب ، يهوى التحدي ، و اختيار الأصعب ، و الأصدق ، دون تنازل عن حق أو كرامة ، صدره قادر على احتواء تنهيدته المليئة بالشوق أو التعب ، و قادر على اختزان غضبه و استفزازه ممن يحب ، يحفظ شعوره كما يحفظ ماء وجهه ، و يترك مساحة لمن يحب كي يتحرك وفق ما يريد كي يعرفه ، و يعرف من هو بالنسبة له .
هنا أغنية استمعت لها ، التصقت برأسي دونما استئذان ، لأجدني ادندن بها في مشاوير عده ، دون أن افكر بها أو أستمع لها كثيراً ، بها دفء غريب ، كأنه يتسرب من أغنية قديمة مألوفة ، تستسلم لها عند سماعها و تمضي معها ، لتتمايل داخلياً دون أن تشعر مع أصابع الأورغ ، خاصة في المقاطع الخالية من الكلام ، و في هذا الجزء تحديداً تجد شيئاً يحملك لأجواء أغاني السبعينات ، بكل ما بها من بساطة و رتابة غير مملة و استمرار و خلود غير مبرر !!
هنا أغنية تتناسب مع منطقة ماجد المهندس الصوتية ، و هي منطقة تعتمد على ابراز الأحساس و عدم تغطيته بهالة موسيقية تُخفيه ، فهو شئ صافي كالماء و أي الوان اضافية و صخب قد يلغي بساطة طعمه و نقاءه ، لا سيما أنه صوت امتداده محدود لكن احساسه لا متناهي ، و مؤثر بقوة تتجاوز أي صوت جبار إن ترك مساحة لذاك الأحساس ، و لتلك النبرة لكي تتحرك في درب يستوعب تلك الحنجرة القابلة للكسر إن أُخذت بعيداً عن منطقة الأحساس ، و وضعت في مهرجان موسيقي صاخب لا يشبهها و لا يعد شبهاً لها ، و يلتقي هنا ماجد مع فضل شاكر ، نجاة الصغيرة و عدة أصوات تكمن قوة صوتها في ضعفه !
اما الشاعر هنا فكشف لنا عبر مفرداته عن ملمح جديد له ، كفارس حرب أماط اللثام عن وجهه و باح ، لنرى ما يتجاوز لون بشرته و عيناه ، و نتلمس في قوله نعومة لا تخلو من قوة ، و ضعف لا يخلو من كبرياء .
هنا اضاف احساس جديد في الشعر المغنى ، دمج الشعر الشعبي و المفردات النبطية ( هماميل ، محاجيل .. ) بفصاحة اللغة ( تأويل ، لله دره ، كل كره .. ) و بأسلوب انيق ، أبتكر به عبارات مختلفه ، و بطريقة متفرده و مميزه كالنص تماماً .
لغته الشعرية الغارقة في المحلية كانت ترتدي “سموكنغ ” ، و تباهي البادية و فخرها توارى خلف قفازات بيضاء مسالمة ، لكن تظل خطوط الانامل واضحه ، جليه ، مع فارق ابسط و هو ظهورها بطريقة أنعم ، هو في هذا التناول الجديد و المنغم ، جعل أي لفظة نبطية قادرة على أن تتضح للمتلقي ، و تنجلي عتمتها عبر الكلمة التي قبلها و بعدها ، فمن خلال وضعها في سياق الجملة تكتمل الصورة .
شعرت بأنه استخدم التضخيم و الجمع لتأكيد التعبير ( تناديك رغبات المقابيل ) ، النداء هنا متشعب ، عميق ، تصرخ به كل الجوارح ، العين ، العقل ، القلب ، كافة الأحاسيس و باقي اعضاء الجسد ، كل ما به راغب ، و يدعو المحب ، دون أن يختصر عميق احساسه برغبة واحده او جزء واحد .
تلمست البعد ، المسافة ، بعبارة مباشرة و واضحة (من الارض و انت في المجرة ) ، أحسست بعذب دمعه في تعبير غير مباشر ( و أهز الجفن و تطيح قره ) ، كما أحببت الطفل الذي بداخله و بحثه عن روح الأم في محبوبته و سعيه لتسامحها و تفهمها في قوله ( و أبي صادقات التهاليل اذا جيت ابشكي و اتشره ) ، ايضا خصوبته و طمعه و حبه للأمتلاك و عمق رغبته في جديد تعبيره ( أبي منك ما ينهد لي حيل ) ، و ابتسمت اعجابا لأعتداده و تقديم تقدير الذات على الرغبة ، رغم عمق التولع و الاحتياج ، و شدة الحرص على أن يأتي كل ما يحبه و يريده طواعية ، دونما أجبار ، لكون وقعه على النفس التي تشعر بأستحقاقها و أحقيتها أكثر لذة حين قال ( اذا جيتي استاهلك بالحيل و اذا كان ما تبغين حره ) ، ايضا أحببت تلك النبرة المطمئنة و المحرضة في الوقت ذاته حين أطلقها بشكل تلقائي قائلاً ( ترى كل هالدنيا تساهيل .. ما دام اننا بنعيش مرة ) .
غزل نصه بهدوء بادية ، و وداعة وردة تتفتح بصمت ، حاكه بعناية فائقة ، طرزه بالتشابيه و الصور ، حتى تكاد أن ترى ما تسمع و تشعر به ، مما منح النص حالة استثنائية قلما توجد في نص شعري آخر حتى للشاعر نفسه !
اما الملحن هنا فقد ميز العمل بمنحه اجواء الحكاية عبر النغم ، لتشعر بأنك تشاهد فيلما هندياً – عبر بداية اللحن – أو أحد قصص الف ليله و ليله ، يحملك لذاك الجو الأسطوري بعمق الحكايات ، دونما بذخ في الآلات الموسيقية التي قد تقتل كل شئ عبر توزيع موسيقي قد يتصور أغلب المنتجين أنه الرغبة التي يودها الجمهور و يجرؤ على التحدث باسمه دون يقين ، المتلقي هنا يعي انها ليست اغنية راقصة بل اغنية للروح ، للوجدان ، للأذن ، و للذاكرة ، ولدت لتبقى في البال بعد مرور وقت ، كطفلة تأسرك في بساطتها و هي ترتدي ثوب عيدها ، تتحرك بنقاء غير متسخ بصخب الآخرين ، سعيدة في يوم خروجها ، تنسج ذكرياتها الخاصة بكل تفاصيلها ، و تنطلق بحرية نسمة كما هي ، تتكون بفطرتها فتمنح ذاتها وجها لم يعرف إبر البوتكس و نرى في بساطتها عمق طبيعتنا .
هو لحن به اسراف عاطفي بانضباط ، بعيداً عن ذاك التوزيع الذي يستجدي الجماهير كي ترقص ، و عبر تصور قاصر بأن كل ما يسمع هو معد للهز ، و يجب أن يرقص عليه ، او حزين بشكل مبالغ به .
هي أغنية فنية بصورة ( الديمو ) الذي ظهرت به ، و اراها متكاملة كما هي ، دونما اي اضافات اخرى ، بها الكثير من براءة الحان حفلات نهاية العام المدرسية ، و بها شئ من خفقات القلب الذي يحب للمرة الأولى ، بها من كل شئ جميل شئ ، و أجمل ما بها أنها تشبه ذاتها ، و اعدها حالة خاصة و تحدي كبير صعب أن يتجاوزه الثلاثة الذين اخرجوها لنا بالصورة هذه .
كما اشيد بجمال روح ” الهرمي ” عبر اضافة صوته ككورال مصاحب ، و قد فعلها قبله محمد عبدالوهاب مع فيروز في البوم اسهار ، مما يضفي دائما للعمل ذكرى خاصة و احساس جماعي جميل بالعمل يصل للمتلقي بشكل تلقائي و طبيعي .
في الختام شكرا بعمق اللحن ، و قوة الكلمات ، و احساس الصوت .
الصباحات الكسولة الممتدة كجسد عملاق تتدعوك للمكوث في مكانك ، لكونك لن تجد شيئا حقيقيا تقوم به أو جديدا لم تفعله !
مشاهدة الافلام ، قراءة الكتب ، اعداد طبق مفضل ، و كل تلك المتعة الحسية البسيطة لن تجدي في لحظة بها أنت مشوش من الداخل ، و غير قادر على فك طلاسم كل ما يحيطك في الخارج ، و يؤثر بقدرتك على التركيز ، و الاسترخاء ، و الاستمتاع !
هي الاشياء الجميلة لم تزل تنتظرك في مكانها ، و الاشياء الأجمل تأتي اليك طواعية ، و مع هذا تشعر بأنك رهينة لجمود ما ، لقلق سرمدي ، يرهق ذهنك و يتراقص به على حبال الأحتمالات الممكنة أو التي لم تفكر بها بعد !
مع هذا لا بد ان تنهض ، تعد كوبا من الشاي أو القهوة ، أو ما اعتدت على شربه ، لتبدأ يومك و تنطلق في ممارسة كل ما ألفت ممارسته ، ستلتقي بالوجوه ذاتها ، و سترقب عقارب الساعة ذاتها ، تتأملها و هي تتحرك وفق احساسك ، فتراها تارة سريعة و اخرى بطيئة و ثالثة واقفة مكانها و كأن الزمن توقف .
هي البطاريات قد تنتهي ، الأطعمة قد تفسد ، و يبلغ تاريخ صلاحيتها مداه ، فتنفض الغبار و تلقي ما يجب القاءه ، و هو بصورته التي كانت عليها منذ شرائه ، ربما تُزحف هذا المقعد قليلا ، و تبدل الزاوية التي يقف عليها برواز يحمل صورة قديمة ، تثبت أن لك تاريخ ، و أهل ، و امتداد ، و بأنك لست وحيد و لم تكن ، و أن هذه الوحدة شعور عابر ، مباغت ، يأتي كالكآبة ، كالزكام ، كأي شئ ينتابنا لوقت ثم يمضي .
في محاولاتك للعيش ، للمضي ، تصادف ما قد يبدل من حالتك المزاجية ، يجذبك ، يبدل من صورة اليوم في ثواني ، و ربما وجدت ما يلقيك في حفرة أعمق من الحفرة التي كنت تظن أنك ماكث بها ، هي الظروف تتبدل كالطقس ، و اشياء ثابتة نتيجة تحركك تبدو متغيرة ، تماما كالأرض التي تضمك و تدور بك ، لتغير امام عينك لون الزرقة و موقع الشمس ، فتشعر بأن الاشياء تبعد و تمضي و حقيقة الأمر أنك من يبتعد الى ان يزول .
منذ بدء الخليقة هناك أمور لا تستقر ، بها انت تقحم ، و تتفاعل وفق الحدث ، بطبيعة تتغير تدريجيا من عمر لآخر ، ترسمها للآخرين وفق طاقتك على ضبط النفس أو الانفعال .
هو الندم المباغت ، الضيق من كلمات خرجت و لن تعود ، التأثر من موقف قد يرسمك بصورة لا تشبه صورتك و مع هذا حدث ، و ربما كنت أنت هذه الصورة فعليا ، و تحاول أن تجمل ذاتك أمام عينيك ، فتردد هذا ليس أنا و هذا ليس سلوكي ، لكن تفضحك المواقف فتكتشف من أنت و ما هي قدراتك ، و تعرف عندها مدى مساحات التغافل و التسامح و الصبر لديك .
هي الصباحات الكسولة ، قد تدعوك للكتابة .. للكآبة .. لمحاولة خلق فرح .. أو فتح جرح .. أو الحلم بعيون مفتوحة و أنت ترقب سحابة عابرة … غيمة هشة .. تشبه أحلامك و العمر .. و مع هذا تسر لرؤيتها و تتفاعل معها … و رغم سكونك و ابتعادك عنها … تشعر بها و تمتطيها !
” أنا عمري ما فكرت في نفسي … كُنت ناسيه إن لي حقوق … كُنت مؤمنة أن التضحية بالنفس ضرورية … لكن الدكتور لفت نظري لشئ مهم جداً … قال لي إننا زي ما بندي لازم نأخذ .. ده إذا حبينا نعيش حياتنا بصورة معقولة … مهو مش معقول يا منير إن .. إن يبقى فيه ناس بتاخد بس .. و ناس بتدي بس … طبعا يبقى كتير ده .. الدكتور مجدي عنده حق … أنا أقتنعت بوجهة نظره تماما دلوقتي .. انت ايه رأيك ؟ ” .
* سهير البابلي من الفيلم التلفزيوني ” عندما تشرق الاحزان ” الذي عرض في الثمانينات الميلادية .
اخط حلمي …
على شواطئ الواقع …
فتأتي الموجات ..
و تمحو كل شئ !
لذا بت أمشي ..
منفصلاً عن ما حولي ..
و لكني ما زلت قادراً …
على التأثر و التأثير ..
لا أبني قصور من رمال ..
و إن كنت اتخيلها …
لا أفكر بامتلاك مساحة من الأرض ..
أو رفيقة عمر من المصطافين ..
فالكل هنا عابرين ..
كل ما أركز به ..
مُضي اليوم ..
انتهاء الوقت ..
… و بعض الأكسجين !
مشاركات وانطباعات واراء الزوار