رسالة إلى صديق قديم
عزيزي نعمان
أعلم بأنك وفق كل المعطيات لم تزل على قيد الحياة ، لكني أدرك ايضا بأن نعمان المتواجد اليوم يشبهك و ليس أنت !
حاولوا أن يجملوك ، يجعلوك أكثر عصرية و حداثة ، و لم يعلموا بأنهم يجردونك من ملامح عرفناك بها و يبعدونك عن أسلوب عُرفت به لدينا .
لا اعترض عما يحدث ، فهذه سنة الحياة ، و ستكون نعمان آخر له ذكريات مع جيل آخر ، كل ما أتمناه أن يعيشوا أيام حلوه مثلنا ليكونوا معك و مع أسرة ” شارع ٢٠ ” تاريخ ممتع لا تنقصه الفائدة أو الأرتباط بالبيئة و الجذور ، و يحتفظون داخلهم بذكريات عديدة تتدفق حين يسمعون كلمة ” أفتح يا سمسم ” .
لم يكن لون جفونك ازرق ، و لم يكن أنفك مثلما هو الآن ، حتى طبيعة شعرك تبدلت و باتت طويلة و أقرب لخيوط مكنسة القماش التي ينظفون بها الأرض !!
لا أدري إن تعرضت لحمية حادة أم لعملية شفط دهون ، لكن المؤكد أن هناك شئ آخر بالعمق قد تبدل ، هي الروح التي كانت تسكنك ، الأحساس الذي كنت تتحدث به و حتى نبرة الصوت .
لست أتحامل هنا عليك و لكني صدقاً لم أعد أعرفك ، و حين رأيتك في أحدى الحلقات فضلت عدم مشاهدتك كي لا أشوش بداخلي ماضي عرفته ، و لا أفسد على الآخرين واقع جديد يعيشونه ، و ربما كانوا يستمتعون فيه .
هل تشعر بأني عجزت ؟ فقدت قدرتي على التكيف و المواكبة !؟
بت أعيش بمعزل عن العالم في عالم موازي مزدحم بكل ما هو قديم و أرى به بعض ملامحي التي أعرف !؟
هل طبيعتي التي تغيرت هي طبيعة عمر و مرحلة زمنية جديدة ؟
و هذا التعلق بكل ما هو قديم .. هروب ؟ .. أم عشق حقيقي ؟
و هل تذكرني في ذلك السن الصغير ؟ .. لم أكن بذلك التعقيد اليس كذلك ؟
أدرك أن اسئلتي ستظل عالقة هنا بلا أجوبه ، و بأن رسالتي لك لن تصل ، ربما تصل لبيت يحتويك ، تعبر أمام جسد أخذ خطوطه من جسدك ، لكن أنت اختفيت ، و برحيل الروح التي كانت تسكنك لم تعد كائنا حقيقياً ، عدت مجرد رداء ثقيل يفتقد من كان يحركه و يحييه .
هل تذكر هذه الصورة التي التقطت عام ١٩٧٩ لك في شارع عشرين ، تظهر بها مع ليلى الممرضة و تتناقشان حول المشهد القادم قبل التصوير ، هنا ظهرت روحك التي لم نشاهدها ، الراحل عبدالله الحبيل المختبئ دائما بداخلك و ليلى حين كبرنا ادركنا بأنها فتاة سعودية اسمها سناء يونس كانت تؤدي دورها فحسب ، أنت كنت من الكويت و عم عبدالله بائع الألعاب كان كذلك ، حتى خليل صاحب الدكان و المهندس حمد جميعهم كانوا من موطنك ، أما هشام الذي يصلح كل ما هو تالف أتى من العراق و المعلمة فاطمة من البحرين .
رغم اختلاف الدول التي أتيتم منها لم نشعر في ذلك الوقت بشئ ، فقد كانت اللغة الفصحى تجمعكم ، و القيم و المبادئ الانسانية المشتركة تقربكم ، و في شارع عشرين نعيش معكم و نحن نمكث أمام التلفاز في بيوتنا ، بل و نتجول للأقطار العربية الشقيقة عبركم في كل حلقة ، و نخرج دائماً بشئ جديد حتى لو كان حرف أو كلمة أو معلومة .
كنت يا نعمان بروحك الخفيفة المختبئة داخلك ، تحمل جسدك الثقيل طوال ساعات ، تتحرك في الاستديو تحت كشافات الضوء الحارة ، لتضيف لنا و تضحكنا ، حتى و أنت منزعج داخل هذا الجسد طوال أوقات التصوير .
لقد عشنا زمن به النزعة الفردية لم تظهر بشكل كبير ، و كان الشخص ممكن أن يتكيف و يتنازل و يضحي لأجل الجمع الغفير ، لم يعد العالم اليوم كما عرفناه سوياً ، لم تعد هناك قضايا و ذاكرة مشتركة ، بتنا نحيا في بيت واحد ، و كل منا يعيش في كوكبه وحيداً ، نتحرك في نفس المجرة و حين نلتقي تغيب التلقائية و يحضر الحذر ، فكل منا بات يجتهد أن لا يتصادم مع الثاني تجنباً لأي خسارة اخرى .
لا يوجد الكثير لدي كي اضيفه ، هي رغبة في التواصل معك و السؤال عنك بحثاً عن اطمئنان داخلي و جذور و أبعاد تمنحني في هذا العالم العاصف بعض الاستقرار و الأمان .
شكراً لأنك كنت هنا ذات وقت .. و شكراً للأيام الحلوة التي يصعب محوها أو تشويهها أو استبدالها بأيام اخرى قد تبدو مضيئة و ملونة ، لكنها فعلياً لا تشبهني و ليست وقتي و ليست أنا !!










رائعة جدا أعجبني كل حرف هنا … ويال الذكريات لكن من مثل دور نعمان بالجزء الثالث … ؟؟
توت said this on 18/05/2016 في 9:41 ص |
شكرا لك … و بالنسبة للسؤال فلك الإجابة نقلاً من ويكبيديا :
( … في سنة 1989 أنتج الجزء الثالث[6] من البرنامج بالفعل، وعاد فيصل الياسري إلى الاشراف عليه وأن يقود فريق المخرجين وفي سنة 1990 حصلت أحداث حرب الخليج الأولي وقد بثت 44 حلقة من أصل 120 حلقة مفقودة. هذا و قد أدى التوتر السياسي إلى إلغاء العديد من المشاهد التي أداها مؤدون عراقيون. … نعمان وقام بدوره الممثل عبد الله الحبيل وفي الجزء الثاني مثله الفنان العراقي سعد عباس وبالجزء الرابع يقوم بدوره الفنان عبد الله قاسم . )
… مع المزيد من البحث اتضح لي ان الفنان العراقي سعد عباس قام بشخصية نعمان في الجزء الثالث ، للمزيد زيارة رابط هذا الفيديو :
يزيد said this on 18/05/2016 في 10:15 ص |
في هذه التدوينة سمعت صوت الوفاء والحنين، للروح ولكل ما أحاط بها في وقت مضى، توثيق رائع ولطيف سلس وأخّاذ دوما يا يزيد، شكراً.
علي said this on 18/05/2016 في 11:22 ص |
العفو علي و جزيل الشكر لك على مرورك الدائم و لطفك المعهود .
يزيد said this on 18/05/2016 في 12:05 م |