قدره ان لا يصيد الفراشات .. ان لا يعبئ الوان قوس قزح في زجاجات عمره الفارغ دائما وبامتياز .
من تركيبته ان يفقد .. يودع .. ولكنه يعلم جيدا انه رغم كل ذلك لا يخسر .
فكل ما هو جميل .. وصادفه .. ومر به .. كان تعويض بشكل او بآخر عن تلك الليالي المريره التي بها كان يسائل ذاته عن جدوى حياته .. وفكرة وجوده بين ما هو مفترض وبين ما هو كائن .
حين يستمع لصوت المآذن .. يتمنى ان يكون ناسك متعبد .. وحين يستمتع بتوتر اوتار الآلات الموسيقيه ويتأثر بها .. يحلم بان يكون فنان متفرد بما يقدم .. تمر به السنون وهو يعيش قانون اللحظه .. الخطط طويلة المدى مرآة فشله لذا يتحاشاها كما يتحاشى مراجعة تاريخه وكل سقطاته وعلاته .
في كل دقيقه .. يخسر من عمره دقيقه .. قد يبتسم .. ينعزل .. يهرب لصفحات كتاب .. او يلجأ الى اجتماعات مكرره .. تساعده على اهدار وقته وحياته .. بسلام رحيم وباقل ضرر ممكن .
يرى احلامه تمضي .. تبتعد .. تصغر .. وبكف صغيره ملوحه تودعه وهي حزينه لكونه لم يحققها .
حتى احلامه تمنت له سعاده .. هو دائما يستكثرها على نفسه !
من اين ياتي الشعور بعدم الاستحقاق ؟
من اين يأتي الجمود .. وعدم التحرك ؟
الاشياء تنزف من حوله .. تتساقط … تتخبط … وهو بهدوء مطبق .. يمتد على اريكة كسوله .. يراقب بعيون لا انفعال واضح لها كل ما يحدث حوله .. يصبح الواقع بالنسبة له اقرب الى حلقة مكرره من مسلسل لا يشده و لا يؤثر به .. او يدفعه للتحرك .
غابت عنه الدهشة منذ سنوات … والاعتياد مع مرور كل عام يتمكن منه .. والصمت بات احتراف .. حتى وان تحدث وثرثر واستمر في استرساله .. لا يقول شيئا مما يود قوله !
وهي فراشة .. عمرها قصير .. وتود ان تشعر اجنحتها الصغيرة بالحياة وتستمع بها قبل الرحيل .. انتظرت ان يزرع لها وردة ما لتقف عليها وتثبت وتريح توتر جناحيها المرفرفين معه في العدم ولعدة سنوات .. وهو يرقبها .. يطرى الوانها .. يسجل اعجابه بها .. ويحبها .. لكنه يعلم بانه لن يتمكن من تجاوز كل هذا لخطوة اخرى اكثر جديه و مسئوليه .
ربما كان يتمنى ذلك ويحلم به في يقظته لكن تجاربه لم تزل تمنحه احساس عميق بفشله .. وقوة ضعفه .. ومدى استسلامه .
يدرك ان لا فراشة بعدها .. فالمتبقى من عمره ايضا قليل … يدرك ان الفراشات بناء على تركيبته اعتادت وستستمر في تجاوزه بحثا عن فضاء جديد اكثر واقعيه ومصداقيه … هو لا يكذب لكنه في الوقت ذاته لا يقول شيئا تبنى عليه اشياء .
تمنى لو كان بامكانه ان يعد حتى وان لم يفي .. لكنه يعلم تماما الى اي مدى هي قاتله الوعود الوهميه .. يتمسك في هذا العالم الصاخب بصمته .. ويشارك فقط بطبل مجوف يمسكه بيده .. يزعج الاخرين به .. ليشعر ذاته قبل ان يشعرهم بوجوده .. هو الغائب عن الحياة الحقيقيه .. رغم تحرك جسده .. ووجود اسمه على شهادة ميلاد وفي السجلات الحكوميه .
هو اشبه بموظف .. لا يحب وظيفته .. اقرب الى ابن لم يحقق احلام والديه به .. هو فشل غير مكتمل .. ونجاح بعيد المنال .
اما هي .. فهرة اليفه يهملها مالكها .. لوحة ثمينه في محل ادوات مستعمله .. شمعة ترغب في الاشتعال في بيت لا يسكنه سوى العميان .
والمعادلة الصعبة في كل هذا هي الوقت .. لا يمنحها مساحة كافيه للانتظار والصبر والترقب .. وليس كافيا لتردده .. او متفهما لطبيعته .. او متجاوبا مع قرارته التي تأتي بصعوبة ولاده متعسره قد تموت بها الأم او الجنين .
قدره ان لا يصيد الفراشات و من تركيبته ان يفقد .. يودع .. وهو يعلم جيدا انه يخسر .. بل و يخسر بشده .. كل ما هو جميل .. وصادفه .. و مر به .
+ اللوحة اعلاه بعنوان البالون الحزين لتحميلها كسطح مكتب اضغط هنا .




















مشاركات وانطباعات واراء الزوار